سياسة

الجزائر/ سعيد سعدي : “التدخّل و السيادة”

سعيد سعدي : "التدخّل و السيادة"

سعيد سعدي:

مرة أخرى، خرج الشعب الجزائري هذا الأحد و بكثافة إلى الشارع للتنديد بمصادرة الثروة الطاقية للبلاد. السلطة التي تستعد لمواجهة أزمة اقتصادية زاحفة وجدت نفسها مجبرة على بيع مجوهرات العائلة. في العاصمة، شدّ المواطنون الخناق على البرلمان، الهيئة المكلفة بالمصادقة على الفساد المؤسساتي. في المناطق الداخلية، حاصر المواطنون مكاتب سوناطراك، الثدي المغذي للنظام الذي مصّ الأمّة. رقم دال. دراسات متطابقة خلُصت إلى أن منذ الاستقلال، أنفق النظام خمسة عشر أضعاف مصاريف مخطط مارشال الذي سمح بإعادة تعمير جزء كبير من بلدان أوربا الغربية التي دمرتها الحرب العالمية الثانية

رهن السيادة الاقتصادية الوطنية هي من صنيع سلطة تندد بالتدخل في كل مرة تنذر فيها هيئة دولية بانحراف استبدادي حوّل الجزائر في بضعة شهور إلى فيلق نظامي. الاختطافات تليها اعتقالات أوتوماتيكية و العدالة التي تجعل من الحبس الاحتياطي امتدادا للقيد تحت النظر أصبحت ملحقة لمخافر الشرطة. تفهم أو تبرير هذه الانحرافات يضاهي حماية البلاد من التداخلات الخارجية الشريرة

هذا المنطق الجهنمي وجد لنفسه صدى إعلاميا. السماح في السيادة الاقتصادية أضحى شراكة، و التنديد أمام الرأي العام الدولي بتعسف أكبر الديكتاتوريات الإفريقية معناه عمل تواطؤ في التدخل الأجنبي . العبث و السخافة اشتغلت لعدة أشهر

لحسن الحظ، الأمور تطوّرت كثيرا خلال أسابيع. على مستوى الجالية، أصبحت النداءات للتضامن الدولي أمرا متبنيا و التنديدات بالمساس بالحريات الأساسية الصادرة من المنظمات النقابية و الجماعات المثقفة أصبحت في الأخير مسموعة. بلدان ككندا تجهر بمساندتها للثورة الديمقراطية. أكثر من ذلك، أعلنت أوتاوا عن عزمها متابعة المفترسين الجزائريين الذين يوجّهون رؤوس الأموال المهربة نحو هيئاتها المصرفية

الابتزاز بالتدخل ليس أمرا مستحدثا عند السلطات الاستبدادية. في تاريخ ما بعد الاستعمار، كثير من القادة الغير شرعيين اشتروا حق استعباد شعبهم بتنازلات اقتصادية ضخمة أو بالرضوخ لتخندق دبلوماسي غير لائق بدول مستقلة. هذه التنازلات عن السيادة يمنحها في المقابل صمت و رضا و تواطأ إزاء اغتصابات دنيئة. الطغمة العسكرية الغير شرعية منذ الأول و الغير قانونية منذ 09 جويلية و المرفوضة شعبيا، انخفض دورها إلى تسوّل صمت الجيران و أولياءها الآخرين

لاحظنا أن التنديدات بالتدخل تأتي حسب الخريطة. مستبدون شرق أوسطيون يستفيدون من استقبالات صاخبة في فنادق فخمة بالعاصمة أو في إقامات فاخرة لأصحاب النفوذ لا يتردّدون في الإشادة برئيس الأركان الذي يمدحون فيه تفهمه عندما يكون الأمر متعلقا بالحصول على منافذ امتيازية إلى قطاعات حيوية في الاقتصاد الوطني. بالطبع، يتم تعويض هذه المجاملات بسخاء كبير. هذه المساندات للقمع ليست تدخلا و لكنها تكريم، و هو لفض يشير لرشوة تطبع تجارة مشكوكة

يجب على الثورة التي أهدرت وقتا بعدم تمكين نفسها في الوقت المناسب بوسائل التنظيم من القاعدة أن تحمي نفسها من خطأ استراتيجي قاتل. البقاء وحيدا أمام سلطة لم تضع حدودا لسياستها الرامية لخنق الشعب قد يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. كشف عورة نظام منتهي الصلاحية و عازم على نخر البلاد من أجل البقاء هو عملية دفاع عن النفس و واجب وطني

الاتصال الخارجي للثورة أصبح اليوم ضرورة قصوى. عمله الإعلام عن واقعها السياسي، إلهامها الأيديولوجي و أهدافها الديمقراطية مع إطلاق صفارات الإنذار للأنظمة الراغبة في إبقاء السرقة الجيوسياسية

الجزائر الجديدة سيسيرها ممثلون شرعيون خاضعون فقط لرقابة المواطنين. يجب على الشركاء الحاليين أو القادمين أن يعلموا أن السلطة القادمة لن تطلب لا تغطية و لا حماية و رعاية. يجب على أولائك الذين قدّموا مساندتهم من منظور علاقات العبيد للأسياد حيث نهب المواد الأولية و طلبات المناولة الأمنية تتم برخاء، أن يقبلوا بالعيش في إطار موازين جد متكافئة

نعلم حاليا أن فرنسا الاستعمارية عملت ما في وسعها لدفع بن بلة إلى الواجهة على حساب عبان الذي ينادي إلى علاقات ناضجة و أفقية

يجب فك فخ التدخل في أسرع وقت لأن الاتحاد الأوروبي الذي يواجه تصاعد الوطنيات قادر دائما على لعب دور قذرا للعب الجزائري. إن لم يتم تبني أشكال نضالية تحد من تحركه، فإن العسكر عازمون على تجسيد المسار القاتل ل12 ديسمبر. يستطيعون حتى القبول بإرضاء كل أصول و شروط الرقابة الدولية بما أن كل المترشحين الموالين يتم إقحامهم في المضمار. أجواء القمع و الرقابة، التوظيف المشين للعدالة و الفراغ الدستوري الذي تتخبط فيه السلطة لن يمنع بالضرورة الاتحاد الأوروبي من الإتيان لمراقبة الانتخابات الرئاسية
تذكير. ترقبا لتشريعيات 2012، كنت على رأس وفد توجه إلى بوركسل للمناقشة مع اللجنة و البرلمان الأوروبيين حول شروط المراقبة التي تتطلع إليها المعارضة الديمقراطية. ألححنا على توضيح أن إرسال مراقبين لانتخابات مزورة مسبقا هو تشجيع لإعادة إنتاج مسارات انتخابية مزورة تساهم في إضعاف النضال الديمقراطي مما يبقي في النهاية على بؤر الضغط و التوتر السياسي في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط و التي قد تمتد عاجلا أو آجلا إلى أوربا

كل الأطراف التي تبادلنا معها وجهات النظر قبلت بتحليلاتنا و اقتراحاتنا. كلهم أكدوا أن من غير الفتح الكامل للسجل الانتخابي، من غير حملة يكون فيها كل المترشحين على قدم المساواة و بدون الحياد الكامل للادارة، لن يكون التحاد الأوروبي أبدا متواطئا مع المهازل الانتخابية التي هي المنبع الأساسي للتخلف

في نفس الوقت، اعلم المندوبون الايطاليون و الاسبان حكوماتهم عن محتوى النقاشات القائمة و عن احتمال امتناع الاتحاد الأوروبي عن المشاركة في المسار الانتخابي لعام 2012. أوصت روما و مدريد اللتان انخرطتا في عقود غازية كبرى مندوبيها باتخاذ الحيطة و الحذر في الاجتماع الذي قد يتمخض عنه رفض طلب بوتفليقة الذي دعا أوربا للاحتفاء بالخيار الحر للشعب الجزائري. بعد نقاشات حادة، طفت المصالح الوطنية و بعثت بروكسل وفدها. كان التقرير ناقدا و لكن في نظر المجموعة الدولية ، تجاوبت الانتخابات مع متطلبات الرقابة الدولية

هذا للتأكيد على أهمية و ضرورة الاتصال الخارجي اليوم. وضع الحكومات الغربية في موضع حرج أمام رأيهم الوطني بفضح المساندات المفتوحة و الخفية الممنوحة لمسئولين مفترسين و إسماع صوت الثورة في الخارج عتبة يجب تجاوزها. من المهم جدا أن تسمع الدول التي لها علاقات وطيدة مع الجزائر رسالة قوية : سيتذكر الجزائري أحبابه و أعداءه على حد سواء

لنُعد قوله من جديد : الابتزاز بالتدخل فخ قاتل. و لنستطرد قليلا في القول. أثناء القمع الذي تلى ربيع أفريل 1980’ واجهنا عذابا جسديا و معنويا ( إيهامات بالإعدام )، فيزيولوجية ( منع الرقود لأيام ) … بعد مرور فترة التعذيب الكبير، أخرجوني من الحبس الانفرادي لأُقدّم هزيل القوى لشخص يزيد زرهوني الذي يريد امتحان قدرتنا على الذهاب إلى محاكمة القطيعة. و هو أكثر ما تخافه السلطة التي أنكرت دائما وجود مساجين سياسيين. في ما بعد، علمت أن هذه الزيارة جاءت بعد تلك التي قام بها أحد معاونيه لتقديم شكوى مفادها أن ” حركتنا أفرزت تعليقات مزعجة للبلاد في الخارج”. جيلين بعد ذلك، ما زال النظام يطلب من الجزائريين السكوت عن تجاوزات أخوية

المطالبة أمام العالم بالحق في القول و العمل في بلده بما يمليه الضمير حق و واجب. التدخل هو تسوّل الغير بمنح تأشيرة تكميم شعبه و تسليم الوطن لغزوة

آخر درس. في ملتقى منظم حول مؤتمر الصومام بأوزلاقن، تدخل علي هارون بصفته مسؤولا سابقا للأعلام في فيدرالية فرنسا للأفلان، و قال : ” إلى يوم تلقينا لائحة مؤتمر الصومام التي سمحت أن يكون لنا صوت و رؤية، أغلق علينا النظام الكولونيالي في مواجهة ثنائية غير محتملة. بالنسبة لباريس ، كانت المسالة الجزائرية قضية فرنسية داخلية. لأ أحد له حق التدخل في الملف.. التعذيب، القصف بالنابالم و تهجير السكان كانت ضرورة سياسية يجب احترامها “. قول يستحق التمعّن فيه

15 أكتوبر 2019

_____________________________________________________________________________________________________________

تابعوا Tazzuri على Facebook و Instagram و Twitter
ولا تترددوا في التفاعل معنا ، وترك لنا الإعجابات والتعليقات

_____________________________________________________________________________________________________________
يمكنكم المشاركة عن طريق إرسال مساهماتكم إلى :

أو إلى : tazzuri.contact@gmail.com

Related posts
سياسة

الصين/ السلطات الصينية تغلق القنصلية العامة الأمريكية في تشنغدو وتتسلم المبنى.

سياسة

الجزائر/ هذا موعد نزول الدستور إلى قبة البرلمان

سياسة

خواطر/ العلماني حسب أمين الزاوي

سياسةمجتمع وحقائق

الجزائر/ تأجيل الدخول الجامعي إلى منتصف شهر نوفمبر و إمتحاني البكالوريا و المتوسط إلى سبتمبر القادم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *